GuidePedia

0

قصة قصيرة______المخلوقُ الصغير
كنت قد تأبطتُ جريدتي ، وحملتُ فنجان القهوة متجها إلى الشرفة ، في وقت مبكر، أتمتعُ فيه بعطلتي الأسبوعية مستغلا نوم الأولاد وأمهم المتأخر. هممتُ بالجلوس حين سمعت صوتا مزق هدوء الصباح الذي كنت أنشده،عبست ناقما على ضوضاء المدينة وصخبها حتى في أيام العطل،تتابعت الصيحات،رميت جريدتي فوق المنضدة وقمت رغما عني استطلع الأمر، كانت أم تنادي طفلتها تركض خلفها بجانب الرصيف :
_أحلام..أحلام.. انتظري..!
راقبتها وهي تجري لاهثة وراء ابنتها الباكية ، وتنحني قليلا لتهمس في أذنها ، شعرت بالحنين يجتاحني فجأة،فقد نفض ذلك الإسم الرماد عن ذكريات سكنت بوجداني..
شردت بذهني بعيدا،أحلام ..صديقة أختي الصغرى ، فتاة صغيرة القد،راجحة العقل وذات خلق طيب وضحكة صافية ، لم تكن قد جاوزت السادسة عشر من عمرها،حينئذ بينما أنا تجاوزت الثلاثين.
كنت وسيما وأهتم بأناقتي ،وأدرك بشيء من الغرور أني محط إعجاب الحسناوات وهيامهن..لذلك لم تثر اهتمامي بالمرة ، كانت مثل زهرة برية صغيرة ،قلما تلحظها الأعين ، لكن مع مرور الأيام بدأت تلفت انتباهي ،لقد أذهلتني كثيرا بمواهبها المتعددة..لا زلت أذكر حين رأيتها ترسم شكلا مطابقا للصورة أمامها ،أمعنت النظر في طريقة رسمها ثم قلت بإعجاب :
_أنت حقا رسامة ماهرة..! لكنها أجابتني بخجل وتواضع :
_أنا فقط أقلد الرسم..!
كانت تساعد أخي الأصغر في دروسه وأعجبت بشرحها المبسط وبصبرها وقلت في نفسي :_يالها من فتاة عجيبة..!
وتوالت اكتشافاتي،ولاحظت أنها ماهرة في أشغال البيت ولها لمسات جمالية في ترتيب الأشياء ،رغم ضآلة حجمها إلا أن شخصيتها قوية وشجاعة..لا تتوانى عن التعبير عن رأيها دون تردد،ولم أكن لأتجاهل احمرار وجنتيها واختلاسها النظرات إلي سريعا كأنها كانت تخفي سرا داخل عينيها الجميلتين..
لقد أصبحت تلك الفتاة الصغيرة محط إعجابي واهتمامي،كان يبهرني حديثها،ضحكاتها،براءتها وتلقائيتها،كانت مثل عصفورة رائعة تحلق فوق رأسي ويشعرني مرآها بالسعادة..
أذكر جيدا ذاك اليوم..حين كنت واقفا أعلى السلم أراقبها منزعجا دون أن أعرف سببا لذلك وهي تودع أمي وأختي وحين رأتني ابتسمت بلطف، سألتها بخشونة :
_ما ضرورة السفر إلى مدينة جوها خانق ..؟ فأجابتني بعفوية:
_لو كان الأمر بيدي ،فثق أني لا أرغب في السفر!
ثم أحلام تاركة وراءها جوا من الملل يخيم على بيتنا..
عندما عادت فوجئت بها أمامي تبتسم وفي يدها هدية صغيرة مدتها إلي وبريق من السعادة يشع في عينيها:
_تفضل..!
كانت عبارة عن حافظة نقود جلدية صغيرة،شكرتها بامتنان،وعدت إلى غرفتي مسرعا،تفحصني صديقي باستغراب وقال :
_أين الشاي..؟ صحت ضاحكا :
_نسيت جلبه يا أخي،أنستني إياه هذه الحافظة ..!
كنت أنظر إلى رسومها الجميلة بإعجاب..وتابعت:
_هدية جميلة وصغيرة كصاحبتها ! سألني صديقي عابسا :
_ومن هي صاحبتها؟ أجبته بحماس:
_لقد أهدتني إياها أحلام صديقة أختي..!
قطب صديقي حاجبيه بضيق وقال:
_لا يعجبني هذا الأمر..وتابع باستخفاف:
_وما الذي يجعلها تهديك أنت بالذات أي شيء مهما كان بسيطا..؟
أجبته بلا مبالاة:
_لا أدري، لكنها فتاة لطيفة وذكية وموهوبة و...
قاطعني صديقي ساخرا:
_ و تحبك .! شعرت بالصدمة حين لطمت أذنيّٓ تلك الكلمة فسألته بقلق :
_ماذا تقصد بقولك هذا ؟ أجاب بعزم:
_أقصد تحذيرك من مغبة الاهتمام لأمر تلك المراهقة، فالمراهقات لا يتسببن سوى بالمشاكل، كما تكثر حوادث الإنتحار في أوساطهن،فهن حساسات تحركهن مشاعرهن البلهاء،تخيل يا صديقي أن عبير قد عادت من السفر ووافق والدك على الزواج منها،ماذا ستفعل فتاتك الصغيرة ..؟
ستعمد إلى الانتحار طبعا، وتترك رسالة لوالديها تخبرهما أنك سبب موتها لأنك حطمت مشاعرها الرقيقة، كيف ستواجه نفسك وأسرتها والجميع..؟
انتفضت غاضبا وهتفت بحدة:
_رويدك يا صديقي ! لقد ألّفتَ رواية تراجيدية مأساوية في غضون دقائق معدودة..!
قهقه ضاحكا:
_لقد كنت أمزح يا أخي،لكن لا ضير من أن تنتبه إلى طريقة معاملتك لتلك الفتاة..
انصرف صديقي بعد أن تركني للهواجس تعصف بي، شعرت بالضيق الشديد وأنا أفكر في مزاحه، وقلت في نفسي .. ماذا لو أن الأمر حقيقي ؟ سيكون كارثة تدمرني، لذلك علي التفكير بحل يجنبني إياها، فقررت أن أغير أسلوبي وأتجاهلها..
وبالفعل صرت ألوذ بغرفتي عندما أعرف أنها في الشقة السفلية.وعندما أعود من عملي أصعد مباشرة إلى غرفتي متسللا ، دون أن أمر لتحية والديّ وإخوتي كالعادة، وحتى إن صادفتها على حين غرة فأنا لا أحييها وأمر من أمامها صامتا متجهما !
ما أستغربه لحد الآن هو رد فعل أحلام،لم يكن لها أي رد فعل بالمرة، اللهم تلك الكآبة التي تعلو محياها ونظراتها الحزينة التي تنطق بالكثير، لقد أزعجني ذلك، وتضايقت لأني لا أحييها، بل أعبس في وجهها البريء..
كنت أريد مصارحتها بأني أخاف عليها من صدمة عاطفية تذهب بروحها الجميلة إلى قرار مظلم، وتحطم قلبها الصغير إلى أشلاء متناثرة، لكني لم أجرؤ على ذلك واكتفيت بالابتعاد والصمت،ولم تحاول هي الاقتراب مني ! فزاد هذا من إعجابي بها..
وبعد مضي شهور على هذا المنوال عادت عبير..حبي الغالي، وتقدمت لخطبتها بعد رضى والدي ومباركته، وأقمنا حفل الزفاف، وفي خضم العرس و أهازيجه رأيتها تتجه نحونا و تبتسم قائلة :
_مبروك..!
لم أستطع النظر إليها، تذكرت كلام صديقي، شعرت بالانزعاج والخوف..وعادت هي تجلس بجانب أختي وابتسامة لطيفة تعلو وجهها ..وأثار ذلك دهشتي..
بعد العرس شعرت أن همّا قد انزاح عن كاهلي، توقعت انسحابها واختفاءها، لكنها كانت وفية لعاداتها ،زائرة يومية لأختي، ولم يتغير شيء بالمرة..!
مضت أسابيع قليلة وبدأت قلاقل تطفو على السطح، فقد حدثت عدة صدامات بيني وبين زوجتي، ساءني تفكيرها السطحي، قسوة مشاعرها،عجرفتها وأنانيتها، لكن ما أثار حنقي حقا هو أني صرت أقارن بينها وبين أحلام..الفتاة الصغيرة..ذات العقل الكبير والقلب الرقيق.
كنت أصرخ في أعماقي بغيظ يكاد يفجرني :
_كيف تجتمع كل تلك الصفات الجميلة في ذلك المخلوق الصغير ؟ وكيف تنعدم في هذا المخلوق الكبير الذي هو زوجتي بالطبع..؟
فزوجتي جميلة، فارعة الطول وتضيف إليه كعبا عاليا، تمشي به متبخترة في خيلاء، وذلك الجمال هو الذي جعلني أهيم بها في شبابي، ولكن ماذا وراء هذا الجمال ؟ لاشيء سوى قلب بارد وعقل متحجر !
كنت أغلي من الغضب حين أرى أختي وأحلام تعدان الفطائر عند اقتراب العيد ،فأصعد الى شقتي وأجد الغالية عبير مستلقية على السرير تشاهد التلفاز،تحملق فاغرة فاها باهتمام شديد في برامج الأزياء والموضة،فأمضي إلى الحلواني وأنتظر دوري وأنا أصر على أسناني من فرط الغيظ..
صرت أسخر من نفسي حين أسترق السمع لأتأكد من وجودها في شقة والديّ السفلية..
وبدون وعي مني أجد قدماي تتجهان إلى حيث تجلس أحلام برفقة أختي،فألقي التحية وأراقب رد فعلها،لكنها تطأطئ رأسها وتنشغل بشيء ما ولا تنظر اتجاهي مطلقا،وأحيانا كنت ألمحها لوحدها كغزال شارد حزين،فأشعر أن قوة ما تجذبني إليها،بل تكاد تجبرني على الاعتذار،فتتصارع أفكار مشاكسة في رأسي،كمجموعة غربان غاضبة تنقر بعضها البعض،وأعود أدراجي خائبا لأن بومة شؤم تنعق داخلي بأنه لا فائدة ترجى مما أنا مقدم عليه،بعدما دمرت كل شيء وجثمتُ فوق كومة خراب مكتئبا حزينا،فهل الاعتذار سيعيد عجلة الزمن إلى الوراء، أم سيعيد لأحلام ضحكاتها الصافية وبريق عينيها الجميلتين؟
لم أعرف كيف أوقف تلك المشاعر المتضاربة داخلي، ولا كيف أسكت تلك الأصوات الساخطة التي تعلو داخلي وتهتف أنني مجرد أحمق ! ويتفاقم الأمر كلما فكرت في سوء معاملتي لها،وأشعر بالمزيد من الحنق والاستياء، فأحلام الرائعة لم تكن تستحق مني كل تلك القسوة والجفاء.
وددت لو كفرت عن ذنبي بطريقة ما،حتى أرتاح من توبيخ نفسي لي،لكن ذلك التأنيب سرعان ما يتضاعف حين أرى طفلي الشقي يلاعبها بفرح ،ثم يستكين بين ذراعيها كحمل وديع، فأخجل من نفسي بشدة ..!
عندما رزقت بابنة فكرت أن أسميها أحلام ،لكن والدتها رفضت ذلك ولم أشأ الدخول في دوامات من الصراع، لأنها كانت تغار من تلك الفتاة فأنا لم أكن أتوقف يوما عن امتداحها !
مرت بضع سنوات، وتزوجت أحلام ..هكذا بلا مقدمات، وأقامت عرسا كبيرا حضرته أمي وأختي ، وعادتا تلك الليلة مبتهجتين لروعته..!
والتقيتها مرات عديدة،ولمحتها تجلس الى جوار زوجها في السيارة وما تكاد تراني حتى تشيح بوجهها بعيدا..!
بعد مضي كل تلك السنين،ظل سؤال يتيم يتردد داخلي :
_هل أحبتني أحلام حقا..؟ أم أني كنت واهما، مغرورا ولم أر أبعد من أنفي حين حملت مزاح صديقي على محمل من الجد، وأسأت معاملتها طوال تلك السنين..؟
لقد برهنت تلك الفتاة الصغيرة على كونها إنسانة قوية ومدهشة، لم تأت إلي يوما لتلومني على جفائي، بل ابتعدت بكل هدوء وسلكت مسلكي..لقد تعلمت منها دروسا لن أنساها ماحييت..
هل تمنيت أن تعود تلك الأيام، لأمنح نفسي وقتا أقترب فيه منها،وأمهل قلبي حتى يبوح لي بسره الصغير..؟
نعم تمنيت ذلك، كنت سأدرك أنها تسللت إلى روحي وقلبي في غفلة من تعنتي،وكنت سأوقن أني أحببتها رغما عني، لأني عرفت متأخرا سر غضبي وحنقي على نفسي.!
وظلّت ذكرى أحلام الصغيرة عالقة بوجداني، ورمزا لِطيفٍ جميل، مرّ من أمامي ذات يوم، وترك أثرا عميقا لم يمحه الزمن.
حنين فيروز 15/12/2014

إرسال تعليق

.
 
Top