GuidePedia

0
من الغريب في الدول العربية والإسلامية أنك تجد الشعوب تسير وراء أقوال زعمائها وقادتها بلا تفكير أو تمحيص لها، وكأن ما يقولونه كلام منزل من عند الله، ومنزه عن كل عيب، ونقص، وخطأ، ولا يجوز أن تتكلم فيه، أو تنقده حتى ولو كان نقدا بنّاء، فهذا إجرام، وقد تقذف بالكفر؛ لأنك تخالف أصلا من أصول الدين، أو وليا من أولياء الله، أو زعيما روحيا غير جائز في حقه الخطأ، وما شابه، ونسي هؤلاء وأمثالهم قول من قال: "كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر."
ومن غرائب ما قرأت مقولة لشخص لا أعرفه حقيقة، ولا يهمني كثيرا معرفته، " لولا أن الموت أتاني لجعلت كل الدول الأوروبية إسلامية". والأغرب من ذلك أن أجد مناصريه يرددونها في مواقف شتى بلا خجل، ولا وجل من الله –عزّ وجلّ-.
إن هذه المقولة خطأ، ومخالفة للقرآن الكريم والسنة المطهرة جملة وتفصيلا من عدة وجوه:
أولا: لم يقل أحد من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة وأتم التسليم مثل هذا القول وهم الأحرص على إيمان البشر أكثر من قائلها وغيره.
ثانيا: هذا المقولة تحمل في طياتها تهمة لأنبياء الله ورسله بالتقصير في دعوتهم للبشر؛ لأنهم لم يفلحوا بإدخال الناس جميعهم في دين الله –عز وجل-.
ثالثا: إن في هذه المقولة تجنٍ على الله، وافتراء الكذب عليه من وجهين: الأول: أن الله –عز وجل- لا يعلم –والعياذ بالله- أن أولئك القوم سيسلمون على يدك فأماتك، وهذا محال عليه، فهو يرضى للبشر الخير والإيمان ويحبه لهم. والثاني: أن الله –عز وجل- علم أنهم سيؤمنون على يدك فأماتك، وبالتالي فهو لا يحب لهم الإيمان ولا يرضاه لهم، وهذا محال عليه أيضا. 
رابعا: ألم تعلم يا هذا أن الله لو علم أن كل الدول الأوروبية ستكون إسلامية على يدك لأطال في عمرك؛ حتى يتحقق ذلك، وما جعل الله –عزّ وجلّ- نبيه نوح –عليه السلام- يمكث يدعو 950 سنة إلا لأنه علم أن من قومه سيؤمن في آخر هذه المدة فأطال في عمره لهذا الحد.
خامسا: لقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تخالف تلك المقولة، ولكن منعا للإطالة سأكتفي بواحدة فقط قوله تعالى: "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (القصص، الآية: 56) 
وعليه نقول لمن يردد مثل هذه المقولة، وغيرها اتقوا الله –عزّ وجلّ- ولا يكن أحدكم إمعة ينعق وراء كل ناعق، فحكم عقلك، وأعمل فكرك، واعرض كل قول أو فعل للبشر على كتاب الله –عز وجل- وعلى سنة نبيه –صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهما حجة على ذلك، وليس العكس، فإن وافقهما فبه ونعمت، وإلا فاضرب به عرض الحائط مهما كان قائله.
كلمة في ميزان الشرع بقلم د./ يحيى محمود التلولي

إرسال تعليق

.
 
Top