GuidePedia

0


الرجل الإنسان :
كان رجل فاحش الثراء ، وكانت له أملاك كثيرة، وشركة تجارية كبيرة، وكان طيباَ كريماً محباً للخير، وقد رزقه الله شاباً يافعاً وحيداً ورث من أبيه الصفات الجميلة كلها بل زاد عليها،وكان الرجل أرملاً ليس له من الدنيا إلاّ ابنه الطيب، كان الشاب كثير الثقة بالناس سبّاقاً لفعل الخير، معطاءً جواداً، وكان مهتماً كثيراً بدراسته وما يكون سبباً لتفوقه وتميزه، إلاّ أنّه لم يكن على دراية بطبيعة أعمال أبيه، ولم يكن الأب مهتماً لذلك إذ كان معنياً بأنّ يكون ابنه متميزاً بدراسته، لذا كان يعتمد الأب على ابن أخيه اليتيم الذي رباه منذ صغره وجعله ذراعه الأيمن في كل شي، فقد كان متطلعاً على أمور العمل كآفة، إلاّ إنّه كان حقوداً شريراً كثير الغيرة من ابن عمّه الطيب، وكان يتربص به دوائر السوء، ورغم ما يخفيه في قلبه من حقدٍ وحسد إلاّ أنَّه كان يخفى ذلك ويظهر نقيضه، يتظاهر بالمحبة والخوف على مصلحة عمّه وابنه الطيب، وبعد فترة من الزمن أصيب الوالد بمرض عضالٍ توفّى على إثره، وأصبح الشاب الطيب وحيداً في بيتٍ كبير كل شيء فيه يذكره بأمّه وأبيه الراحلين، وقد وجد الشاب نفسه أمام ثروة هائلة لا يستطيع التعامل معها أو إدارتها، ولم يكن أمامه إلاّ ابن عمّه فهو الوحيد القادر على إدارة أعماله، وقد اختار الشاب الطيب أن يسلّم ابن عمه كل أموره ويتفرغ هو لدراسته، وهكذا استلم ابن العمّ الحقود الحسود شؤون أعمال ابن عمّه الطيب وقد اتخذها فرصة قيمة لبث جميع سموم الحقد والحسد اللذين في قلبه على ابن عمّه المسكين، فأخذ يباشر شؤون العمل مستغلاً ضعف ابن عمّه في إدارة شؤونه المالية، وكان الشاب الطيب كثير الإحسان للناس يعطي المحتاج من غير ترددٍ أو بخل، وكان من عادته أنّه يبحث عن المحتاجين ليقدم لهم يد العون، إلاّ أنّه كان منتبهاً لضرورة إحاطته بشؤون عمله فهو على ثقة تامة بأنّ الأمور نهاية سوف تؤول إليه، لذا كان يأتي شركته كلما أتيحت له الفرصة، وكان يقدم الخدمات للناس ويحسن معاملة الموظفين لذا كان محبوباً، وهذا ما زاد من حسد ابن عمّه وبغضه له، ومن الأمور التي اعتاد عليها أنّه كان إذا أراد الطعام أمر موظفه المسؤول عن إدارة مكتبه أن يستدعي الرجل العجوز الطاعن في العمر المتسول الذي يتخذ من باب الشركة موقعاً يتسول فيه، ليشاركه طعامه، وذات يوم أصيب هذا الرجل المتسول بمرض خطير ألجأه إلى الدخول إلى المشفى، وقد قرر الأطباء أن يجروا له عملية جراحية عاجلة، ولم يكن يملك المتسول أموالاً لتغطية نفقات العلاج، إلاّ أن الشاب الطيب طمأنه وقال له : سوف أتكلف بجميع نفقات علاجك حتى تعافى إن شاء الله تعالى .
وبالفعل أخذ الشاب ينفق على المتسول ويتابع شؤون علاجه بكرم وسخاء، وكان كل يوم يذهب إلى ذلك العجوز الهرم ويطمئن على صحته ويجالسه ويحدثه ويقدم له كل ما يحتاج إليه، وبقى على هذه الحالة إلا أن خرج العجوز من المشفى وقد برأ بإذن الله ، ولم يكن من العجوز إلاّ أن يشكر للشاب صنيعه ويدعو له بالسعادة والهناء .
وفي هذه الأثناء كان ابن عمّ الشاب الحقود يتولى شؤون إدارة الشركة، ويخطط جاهداً لتجريد ابن عمّه الطيب من جميع ممتلكاته، فعمد إلى التحايل والخداع، وأخذ يسلك كل طريق تحقق له ذلك، وقد بدأ يزور مستندات ويعرضها على ابن عمّه ليوقعها، وكان ابن عمّه من شدة ثقته به يقوم بالتوقيع دون أيّ تدقيق، وقد علم المخادع بذلك، واستغل الأمر أيّما استغلال، فبدأ يحول بعض ممتلكات ابن عمّه إلى رصيده الخاص، ويوماً بعد يوم، أصبح ذلك الحسود يمتلك معظم أملاك ابن عمّه الطيب، وذات يوم كان الشاب الطيب مشغولاً ببعض أموره الخاصة فجاءه ومعه رزمة من الأوراق وقال له: يا ابن عمّي هنالك أمر في غاية الأهمّية فقد عقدنا صفقة تجارية ضخمة وهي مربحة للغاية وما عليك إلاّ أن توقع على معاملاتها على وجه السرعة فإني أخشى أن نخسرها.
فقال له الرجل الطيب: لا بأس أين أوراق المعاملات؟
فدفع إليه الأوراق وأخذ يوقعها دون الاطلاع على مضمونها حتى وقعها جميعها .
وحينها ابتسم الرجل الحقود ابتسامة صفراء، ثم خرج من المكتب وهو يقول : الآن تتحول الأمور، فأنا الغني ، وهو الفقير.
فقال الشاب الطيب : ماذا تقصد بكلامك هذا؟
فقال : لا شيء ... لا شيء. ثمّ خرج وأغلق الباب خلفه بشدة.
فاستغرب الرجل الطيب من هذا التصرف، لكنّه لم يحمله إلاّ على المحمل الخير.
وبعد أسبوع من توقيعه على الأوراق، فوجئ برسالة تأتيه من مكتب بعض المحامين مفادها : عليك أن تترك كل ما هو تحت سيطرتك من الأموال المنقولة وغير المنقولة خلال أسبوع من تاريخ استلامك لهذه الرسالة كون أملاكك انتقلت إلى ملكية ابن عمّك بناء على العقود الموقعة رسمياً منك.
وعندما قرأ الشاب تلك الكلمات، وقعت عليه كالصاعقة، وكأنّها هدت كل شيء جميل في حياته، يخرج من كل شيء حتى من بيته، فأسرع بالاتصال بابن عمّه يتحقق من صحة الخبر، إلاّ أنّ ابن عمّه ردّه وبقوة وقال له: أخرج حالاً قبل أن ألقى بك في السجن.
فماذا عسى هذا الشاب أن يفعل؟ يخرج من كل ملكه حتى بيته، أين يذهب؟ وكيف سيحيا بقية عمره و كان عزيزاً كريماً، ولكنّه لم يكن أمامه إلّا خياران ، إمّا السجن، وإمّا الخروج إلى حيث لا يدري، خرج من البيت ودموعه تملآ وجه وأخذت تبلل قميصه، وأخذ يمشي دون أن يعرف وجهته، ينظر إلى ما حوله كأنّه لم يعد يرى إلا لوناً واحداً وهو السواد، أخذ يمشي ويمشي وهو يقول في نفسه: يا حسرتى على ما فرط في ما ترك لي أبي بسبب ثقتي الزائدة بابن عمّي الخائن، وبقى يمشي حتى أرهقه التعب ، فوجد مقعداً في حديقة عامة فذهب وجلس عليه دون أن ينتبه إلى ذلك العجوز الهرم الذي يجلس على المقعد ذاته، جلس الرجل وكأنّه لم يعد يشعر بأيّ شي، وأخذ يبكي بشدة، فقال له الرجل العجوز: ما الذي يبكيك يا بنّي؟
فالتفت الرجل إلى العجوز وقال : أنت، ماذا تفعل هنا؟
فقال الرجل العجوز: أوما ترى تلك السجادة على الأرض؟
فقال الرجل : وما شأن السجادة في الموضوع؟
قال : هي سجادة أفرشها على الأرض حتى يراها الناس ليضعوا عليها أموالهم.
ثمّ قال له: ما شأنك؟
فأخذ الشاب يحدّث الرجل العجوز بقصته حتى نهايتها، وكان الرجل العجوز يستمع إلى الشاب الطيب والدموع تذرف من عينيه بغزارة.
ثمّ سأله وماذا تريد أن تفعل الآن؟
فأجاب الشاب: لا أدري، فلم أعد أملك شيئاً حتى بيتاً آوي إليه.
فقال الرجل العجوز: لا عليك يا بنّي أنا عندي بيت صغير متواضع هو خير لك من حافة الرصيف، تعال وشاركني فيه.
وحين سمع الرجل هذه الكلمات عزّت عليه نفسه، وزاد حزنه، ولكنّه لم يجد أمامه من حل غير ما عرضه عليه العجوز، فبيته تحت كل الظروف خير من حافة الرصيف.
وهكذا ذهبا معاً إلى البيت المتواضع الذي لا يكاد يتسع لكليهما.
ومن ذلك اليوم بدأ الشاب الطيب يمارس حياة جديدة لم يعتد عليها، ولم ترق له، ولكنّه مجبور عليها، فلا الطعام طعامه، ولا اللباس لباسه، ولا البيت بيته، فلم يعد على الحالة التي كان عليها.
وذات يوم بعد أن اشتدت عليه الأمور وكاد يختنق من الأسى والهمّ والغمّ، ذهب إلى ابن عمّه يتوسل إليه أن يرأف بحالته ويوفر له بعض مستلزمات الحياة الضرورية ليضمن حياة كريمة، إلا أن ابن عمّه أمر الخادم بأن يلقي بابن عمّه بالخارج وتهدده بالعقاب إذا حاول الاقتراب من الشركة مرة ثانية.
فخرج وحالته أكثر سوء من حالته أول مرة، وأخذ يمشي إلى أن وصل بيته المتواضع، وهناك وجد العجوز جالساً ينتظره، فقال له العجوز ما شأنك ؟
فأخبره الشاب بما حصل معه عند ابن عمّه .
فقال له الرجل العجوز: ما كان عليك أن تذهب إليه، فإن سروره عندما يراك على هذه الحالة، ثمّ قال العجوز للشاب: يا بنيّ إنك شاب طيب وصاحب خير كثير، وإنّ أباك من قبلك كان على صفاتك، وأنت تستحق كل خير، ولكن عليك أن تتعرف إلى كثير من الحقائق وأن لا تدع ثقتك بأي شخص دون أن تختبره، فالناس اليوم تغيرت أحوالهم وتركوا كثيراً من الصفات الطيبة، وما عادت الرحمة تخيم عليهم، وإن ثقتك العمياء بالآخرين هي ما أوصلتك إلى ما وصلت إليه، فعليك بالحذر الشديد، فإياك أن تعود إلى ما كنت عليه من الثقة العمياء بالناس وإلا سوف تخسر أشدّ من خسارتك الأولى.
وعندما سمع الشاب هذه الكلمات من الرجل العجوز أخذ يقول وهو يضحك بصوت عال: أشدّ من خسارتي الأولى، ثم بكى بكاء شديداً وقال:أيا عمّ عن أيّ خسارة تتحدث ، وهل أملك الآن شيئاً لأخسره؟
فقال له العجوز : نعم أنت تمتلك الكثير يا بنّي فإن ما تتحلى به من صفات طيبة سيجعل الله في صفك وإلى جانبك، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.
وعندما سمع الشاب هذه الكلمات هدأت نفسه وانشرح صدره وقال: الله مولانا ونعم الوكيل.
وحينها أخذ الرجل العجوز يقول للشاب: يا بنّي إني رجل طاعن في السن كما ترى، ولقد عشت حياتي في شقاء وبلاء، لم أعرف من الحياة إلاّ البؤس والعذاب، وقد أمضيت العمر وحيداً أتسول الناس، ولم يكن لي هدف أو أي شي أهتمّ به، فقد كنت يتيم الأبوين غريب الديار، كنت يا بنّي في هذه الديار مجرد نكرة لا أكثر، لم أجد من يعتني بي أو يوجهني، أو يرأف لحالي، بل لم أجد من الناس إلاّ الفظاظة والغلظة، كانوا يعاملونني على أنّي مجرد حيوان لا أكثر، وهذا ما جعلني حاقداً على كل الناس حتى نفسي التي عاشت بين أولئك الأشرار، وعندما تعرفت بأبيك الطيب رأيت إنساناً مغايراً عن أولئك البشر، رأيت إنساناً يتصف بالرحمة والكرم والشهامة، لذا أحببته وتعلقت به، وحرصت أن أبقى بجواره فقد كان كثير الأفضال عليّ، ولمّا تعرفت إليك لم تكن إلاّ نسخة عن أبيك لذلك أحببتك أنت أيضاً، ولمّا دخلت المشفى وتكلفت بتغطية النفقات تعلقت بك أكثر وشعرت بأنّي مدين لك بكل شيء، وها أنا ذا يا بنّي على وشك توديع هذه الحياة وسأخرج منها كما دخلت إليها فقيراً وحيداً معدماً، وسأخرج منها فقيراً وحيداً معدماً، ولكنّي سوف أبوح لك بسر كبير.
فقال الشاب: وأيّ سر هذا؟
قال: سوف أترك لك كل ما جمعته في حياتي.
فقال الشاب باستغراب: أنت تملك شيئاً ؟
فقال الرجل العجوز : نعم أملك كل شيء، وسوف أترك لك كل شيء أملكه.
فقال الشاب : أتملك كل شيء وأنت بهذه الحالة؟
قال : نعم ، إنّما اعتدت على هذه الحياة، ولا أستطيع التأقلم مع غيرها.
ثمّ قال : لا عليك الآن هيا بنا نذهب.
فقال الشاب: إلى أين؟
قال : لا تسأل كثيراً ، فما عليك هو مرافقتي فحسب.
فخرجا يمشيان حتى بلغا مكتب محام فدخلا عليه، فأخذ المحامي يشرح للشاب عن طبيعة أملاك الرجل العجوز وكيف كتبها كلها باسمه، ويا لدهشة الشاب عندما عرف ما للعجوز من أموال كثيرة منقولة وغير منقولة، وحينها فرح فرحاً شديداً، وحاول أن يشكر الرجل العجوز على إحسانه إليه إلاّ أن لسانه عجز عن التفوه بأيّ كلمة ، فقال له الرجل العجوز: يا بنّي على رسلك عليك أن تركز كي تدرك حقيقة الأمر، إلا أنّ المحامي استدرك على الشاب بأنّ هذه الأملاك لن تحول إليه فعلياً إلاّ بشرط واحد، فقال الشاب وما هذا الشرط ؟
قال : أن لا تعلن عنها إلاّ بعد وفاة الرجل العجوز.
فاستجاب الشاب لهذا الطلب، وكتم الأمر، ومارس حياته وكأنّه لم يورث أيّ شيء.
وعاد الشاب ليهتمّ بما بدأه من متابعة علمه، ولم يعد يفكر بأي شي إلا بعلمه، حتى استطاع أن يحصل على أعلى شهادة جامعية، إلاّ أن فرحته بالشهادة تخللها حزن عميق، فعندما أسرع إلى ذلك الرجل العجوز ليبشره بنجاحه، وجد الرجل العجوز جثة هامدة كأنّه لم يكن، فحزن عليه أشدّ الحزن، ومكث أياماً وهو يبكي على فقدانه، ويتذكر إحسانه وكيف أخرجه مما كان فيه من ضيق وتعاسة، وبعد وقت استعاد الشاب قوته، وتذكر أموره وعزم على إرجاع ما قد فقده من ثروة ، فأخذ يتصرف بأملاكه ، وأراد أن يشتري من ابن عمّه الحسود ما قد سرقه من أموال أبيه، فأسرع إلى مكتب ابن عمّه ليفاوضه ، لكنّه وجد المكتب مغلقاً ومشمعاً بالشمع الأحمر، فسأل عن السبب فقيل له : إن ابن عمّك ضبط وهو يحتال على أموال الدولة العامة، وقد حجزت أمواله وأودع السجن، فذهب على الفور وخلّص أملاكه من الحجز بعد أن ردّها إلى ملكه، وذهب إلى ابن عمّه بالسجن، فكفله ودفع ما عليه من غرامات وأخرجه من السجن، لكنّه قال له: لن أكون مثلك، ولن أفعل بك ما فعلته بي، رغم أنّك تستحق كل إساءة، ولكننّي سوف أوفر لك المسكن والعمل المناسب دون أن أثق بك في يوم من الأيام.
فشكر الرجل ابن عمّه على الفعل النبيل ، وندم على فعله القبيح ندماً شديداً، وبدأ حياته من جديد كرجل شريف أمين، إلا أن ابن عمّه لم يرد أن يلدغ من جحر مرتين فتولى هو بنفسه شؤون عمله وباشر العمل وأخذ يكبر ويكبر ...ولله سبحانه الفضل في الأولى والآخرة .

وكتب : إبراهيم بركات /القدس

إرسال تعليق

.
 
Top